مصابات الحرب في دير الزور ضحايا على قيد الحياة

على كرسيها المتحرك، تجلس أم طارق في فسحة منزلها، تنسج ليف الحمام لتبيعها لأهالي القرية وأصحاب المحال التجارية، علها تفرّج قليلاً عن نفسها بهذا الدخل البسيط، وتساهم بتوفير احتياجات أطفالها من طعام ولباس، بابتسامة خجولة تقول أم طارق (42 عام ) من ريف دير الزور الشرقي:
”لم يعد لحياتي معنى، فأنا أشعر دائماً بالإحباط والتشاؤم والرغبة بالوحدة والعزلة عن الآخرين”.

وتضيف حابسة دموعها:”قدّر الله وماشاء فعل الحمدلله على كل حال”.

كانت أم طارق تعيش في مدينة دير الزور، حين قامت إحدى طائرات قوات الأسد الحربية بقصف الحي حيث أصابتها شظية في الظهر، وأدّت لشلل نصفي دائم. تحاول أم طارق التأقلم مع حالتها وظروف الحرب القاسية، حيث بدأت العمل في بيع ليف الحمام لتؤمن لأطفالها لقمة عيشهم قدر المستطاع.

وليست أم طارق وحدها من تأذت من الحرب، فهناك آلاف النساء أصبحنّ مقعدات أو فقدن أحد أطرافهن.

أم عامر (38 عاماً) من إحدى مدن ريف دير الزور الشرقي، هي الأخرى فقدت ساقها وبنتها التي لم تبلغ من العمر 5 سنوات إثر استهداف السوق الرئيسي للمدينة من قبل طيران قوات الأسد، بعينين دامعتين تقول أم عامر لدير الزور 24 :
“ليتني متُّ مع ابنتي الصغيرة، فأنا لا أقوى على فراقها ” وتكمل ” بعد إصابتي بعدة أشهر قام زوجي بالزواج من امرأة أخرى، وتحولت حياتي إلى جحيم أنا يائسة وحزينة جداً”.

تبيع أم عامر الألبسة المستعملة لأهالي المنطقة لتعيل نفسها وأولادها الثلاثة “.

كما أنها لا تملك المال لتركيب طرف صناعي ذكي حيث قد يصل سعر الطرف الواحد إلى آلاف الدولارات لكنها تأمل مستقبلاً أن تتمكن من تحقيق ذلك لتعود إلى حياتها الطبيعية.

وبالإضافة إلى معاناة آلاف النساء مبتورات الأطراف، تعاني النساء أيضاً من إصاباتٍ أخرى ناتجة عن تفجيرات حدثت في المنطقة في وقت سابق أو نتجة انتشار السلاح فمثلاً في مدينة الميادين تعرّضت كفاح البالغة من العمر 26 عاماً لإصابة نتيجة تفجير حدث في إحدى شوارع المدينة مما أدى لبتر يدها اليمنى.

تقول كفاح لدير الزور 24:” لا أستطيع تجاوز الحادثة، أذكر جيداً لحظة وقوع التفجير، كنت حينها أمشي في الشارع وفجأة انفجرت سيارة مفخخة على مقربة مني، فوقعت أرضاً، شعرت حينها بألم قاتل وتفاجأت بيدي اليمنى مبتورة ومرمية على مسافة عدّة أمتار مني ” ثم تبكي قائلة ” انتابتني نوبة جنون وهلع وأغمي علي بعد ذلك كان منظراً مريعاً “.

وتكمل ” كنت مخطوبة لابن عمي حينها وبعد شهرين من إصابتي قام ابن عمي بفسخ الخطبة بحجة أنه يرغب بالسفر إلى أوروبا لقد خذلني كما خذلتني الحياة”.
وتضيف: ” كلما أتمناه الآن هو أن أستطيع تركيب طرف صناعي يساعدني على تلبية احتياجاتي وإعالة نفسي”.

تسلط قصص أم طارق وأم عامر وكفاح الضوء على معاناة آلاف النساء في سوريا من بتر الأطراف والإصابات الناتجة عن قصف الطيران العشوائي والتفجيرات، ورغم أنّ جميع فئات المجتمع عرضة لهذه المعاناة، إلا أنّ المجتمع والنظرة المختلفة للمرأة تجعل تجربة النساء اللواتي يتعرضن للإعاقة أو لبتر الأطراف أكثر صعوبة ومعاناة حيث تشعر المرأة ذات الإعاقة بالعجز عن أداء جميع المهام الملقاة على عاتقها، والاهتمام بالبيت والزوج، ورعاية الأولاد، مما يجعل معاناتها مضاعفة.

وتطالب مصابات الحرب الجمعيات الإنسانية بتقديم الدعم اللازم لهنّ، وفي ظل هذه الظروف الصعبة والقاسية إلا أنهن الشريحة الأضعف في المجتمع، ولا تقف تبعات الإصابة عند فقدان جزء من الجسد وإنما ارتدادات ذلك كبيرة على مستوى الأسرة والأطفال، والمأساة النفسية المترافقة مع الإصابة تجعل منها مضاعفة التأثير والألم.
بقلم: مايا درويش

شارك بالنقاش

error: النسخ ممنوع من ديرالزور24