“رحمة” .. بين الموت والحياة

الأميرة الفراتية – ديرالزور24

“عاد إليها وعيها و بدأت تتنفس بشكل طبيعي، هذا ما بشرني به الطبيب وأخبرت الجميع به، من أعرف ومن لا أعرف، وأولهم أم احمد والدة رحمة” .
لقد مرت أيام وساعات طوال منذ إصابتها الخطيرة بالوجه والرأس وحروق متفرقة في جسدها النحيل، بالأمس لامست وجه الموت واليوم عادت الى الحياة.
وحين فتحت عينيها وجدتني أمامها فبادرتها على الفور،كيف حالك .. ردت بابتسامة شاحبة هي أقرب الى أن تقول لست بحالة جيدة.

تعرضت رحمة مع عائلتها لقصف جوي من قبل قوات الأسد على أحد أحياء مدينة ديرالزور، ونتيجة لسوء الأوضاع الطبية في أحياء المدينة تم نقلها لريف المدينة ومن ثم نقلها لمناطق متفرقة حتى وصل بها الحال إلى تركيا  واستكمال رحلة علاجها.
وضعت يدي على ماتبقى من غطاء رأسها، وقلت لها ارتاحي الأن، سنتحدث غداً إن شاء الله، وعند خروجي، قابلت الطبيب عند الباب ولكني لم أجرؤ على سؤاله عنها، تمنيت أن أعود في اليوم التالي كي أراها بخير.
لم أكن أعرفها لكنني اعرف انها بنت بلدي وما علي سوى تقديم المساعدة، تراكمت في مخيلتي الكثير، من الافكار وأنا في طريق العودة الى البيت.

لم أعرف كيف مضى بي الليل بطوله كي أستطيع أن ألامس وجه الصباح، لأمضي مسرعة حينها الى اقرب محل زهور واخذت لها باقة ورد بيضاء، وطرقت باب الغرفة وأنا ارتجف علني أراها باسمة.
فتحت والدتها الباب وكانت محمرة العينين ثم سارعت الى النظر الى فراشها وكان اسمها رحمة فلم أجدها، أسرعت والدتها بالقول لا تخافي انها في الحمام سترينها وهي بخير مازالت على قيد الحياة.
سألتها عسى أن يطمئن قلبك يا أم أحمد كيف حصل لكم هذا.. تنهدت الأم بحرقة وقالت كنت في البيت أنا وزوجي وأولادي، وفي لحظة كالبرق سمعنا صوت الطائرة وسقوط قذيفة حارقة على بيتنا فتحت سقف الغرفة ورأيت رحمة واختها اسراء تطيران في الهواء وتسقطان على الأرض والنار تشتعل في أرجاء البيت.
والبقية أصبحوا أشلاء مبعثرة، كنت في حالة ذعر شديدة لا أدري من مات ومن عاش وعندما انقشع الغبار، وهدأت النيران وسكت الصراخ سوى من أنين رحمة وهي تشتعل وجسدها مسلوخ وشعرها محروق.
صرخت بأعلى صوتي يا أبو أحمد إنها رحمة مازالت على قيد الحياة
-اسعاف.. اسعاف اين الاسعاف يا أهل المروءة ..؟
وهنا صمتت أم احمد وتوقف قلبي عن النبض للحظات ناولتها كأس من الماء ولم أجرؤ على طرح سؤال آخر، لكنها بعد أن رشفت قليلاً من الماء، استطردت قائلة حملتنا سيارة الاسعاف بعيدا، وحين وصلنا المكان الذي من المفروض أن يكون مشفى تفاجأت أنه عبارة عن بيت وفيه بعض الادوية والضمادات، وطبيب احتار ماذا يفعل أمام صرخات رحمة وضع لها بعض الضمادات واعطاها مسكن للألم الذي لا تستطيع تحمله حتى الجبال.
سألتها هل حاولت التواصل مع الخارج لمعرفة اذا كان هناك امكانية للمعالجة؟
وكم بقيت على هذه الحال، قالت بحرقة، الأمر ليس بيدنا انما كنا نخاف الخروج بسبب الحواجز وعلينا عبور النهر كي نخرج من المدينة ولكن لم يكن لدي مالاً أعطيه كي نحملها ونعبر بها ولكن أهل الخير في بلد الخير ساعدوني واستطعت أن أتجاوز كل الصعوبات والحواجز وعبرت الأراضي التركية وصولا الى انطاكية، وتم دخولنا الى المشفى لنبدأ رحلة المعاناة التي هي الأشد بدءاً باستئجار البيت الى المعيشة الى علاج رحمة الى وضع ابنتي الاخرى اسراء التي نجت بأعجوبة سوى من بعض الحروق والكدمات –
وهنا توقفت عن الحديث حين نظرت الى رحمة وهي تكاد تنام من كثرة الدواء والمسكنات التي تم حقنها بها من قبل الاطباء.
وبعد استمرار العلاج لمدة ستة أشهر، دون أن تتحسن حالتها طلبوا مني أن أنقلها الى هذه المدينة للعناية بها من قبل بعض الاطباء المختصين، ولذلك عزمت الرحيل وجئت الى هنا فقد نجد العلاج المناسب لحالتها التي تزداد سوءا يوما بعد يوم وقد سمعت عن مساعداتك من قبل احدى صديقاتي واتمنى ان تساعديني بما تستطيعين وخصوصا بعدما حصل لبقية اولادي.
بكت بحرقة .. حين سألتها وماذا حصل لبقية أولادك .. قالت توفت ابنتي وابني وتم دفن اشلاءهما قبل أن نترك البلد وفيما سبق تم اعتقال ابني الاوسط وعمره 18 سنة من قبل قوات الأسد حين كان يشارك رفاقه في مظاهرات يوم الجمعة ولم نعرف له أثرا حتى الساعة، أما ابني الاكبر فقد اعتقلته داعش حين ذهابه لشراء بعض الحاجات لسبب والله العظيم لم أدركه حتى هذه اللحظة.
عشنا لحظات هم وغم وحزن الى أن ازداد الامر بسقوط القذيفة على سقف بيتنا
والان أدعو الله ولا اعرف من أين أبدأ ولمن ادعو قلبي يتمزق.

كل لحظة غرقت عينيها بالدموع فمسحتها على عجل، حين دخل الطبيب قائلا يمكن البقاء هنا لمعالجتها ولكن قد يطول الامر فالحروق مصابة بوذمة كبيرة بسبب سوء العناية في تلك المشفى وقد نضطر لبتر قدميها.
كانت تستمع لكلمات الطبيب وعينيها تلتهم كلماته بمرارة، هدأتها قائلة أعانك الله – عسى أن تتحسن حالتها وتمشي على قدميها لأن الطب تطور كثيرا تلقت كلماتي وكأنها الخلاص وأشرق الأمل في عينيها كما تشرق الشمس في صباح بارد – مضت أيام واجتازت رحمة مرحلة الخطر وهي تتماثل للشفاء وتستجيب للعلاج بشكل جيد، وأصبحت رحمة بأمس الحاجة لصلواتنا ودعواتنا.
ساعدتها بالخروج من المشفى الى البيت وكانت حاجتها للهواء البارد كبيرة لأن رحمة مازالت تعاني من حروق كثيرة في قدميها ولهذا جلبنا لها مكيف صغير من تبرعات احدى نساء الخير في هذا البلد الغريب.
زرتها بعد فترة وجيزة ففرحت لرؤيتي كثيراً، وقالت لي أنت بشرتني وجهك خير علي يا أستاذة لأنهم لم يبتروا قدمي “رحمة” وها هي تتماثل للشفاء وأتمنى ان يفرح قلبي برؤية بقية أولادي.

 

اظهر المزيد

Leave a Reply

اترك رد

  Subscribe  
نبّهني عن
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق