ديرالزور قبل وبعد التنظيمات الإرهابية

خيمت غمامات التطرف على مجتمع ديرالزور منذ أواخر عام 2012، عندما استغلت التنظيمات الظلامية الثورة السورية المباركة، والمرحلة التي تلت انطلاقها (مرحلة المواجهة مع نظام الأسد)، لتتسلل إلى معسكر الثورة وتبدأ النخر فيه، تطبيقاً لأجندات خاصة اتضح فيما بعد للقاصي والداني أنها أجندات سخرت لطعن الثورة السورية.

ديرالزور هدف التنظيمات المتطرفة

منذ التاريخ المذكور في سطور هذا المقال الأولى، غطت سماء ديرالزور غمامة سوداء مظلمة، جعلت منها سجناً مصغراً لأبنائها، وأسيرة لأفكار تلك التنظيمات، فمنذ نهاية عام 2012، تسللت جماعة لم تكن معروفة قبل هذا التاريخ، لأبناء الدير، عرفت عن نفسها بأنها (جبهة النصرة لأهل الشام)، مرتدية عباءة الدين، وحاملة سيف وجه على أبناء ديرالزور قبل غيرهم.

استغلت جبهة النصرة (فرع تنظيم القاعدة في سوريا)، ثورة الشعب السوري في وجه نظام الأسد، لتبدأ بجذب أبناء سوريا عامة وديرالزور على وجه الخصوص، حيث أنها أقامت مقراتها وأماكن تأسيسها في ريف ديرالزور الشرقي، وأخذت تستقطب شباب ديرالزور لتوسيع سوادها، من خلال اللعب على الجانب العاطفي لهؤلاء الشبان الثائرين في وجه الأسد وزبانيته، فكان لها ما أردات، أي جبهة النصرة، حيث طبقت سياسة شيطانية، تمكنت من خلالها من السيطرة على محافظة ديرالزور، وما تحتويه من خيرات و ثروات باطنية تحتاجها في تمويل مشروعها، وبواسطة أبناء ديرالزور أنفسهم، من الذين تمكنت من غسل أدمغتهم وجعلهم وقوداً لنارها في تطبيق مشروعها، فضربت النصرة أكثر من عصفور بحجر واحد، السيطرة على الموارد التي تمتلكها ديرالزور وتسخيرها في تطبيق مشروعها، التحكم في مقدرات المنطقة الشرقية ككل وقاعدتها ديرالزور، تحجيم الجيش الحر في ديرالزور وتجفيف موارده، لتكون بذلك صاحبة اليد العليا والقرار في ديرالزور.

انتقلت مع مهاجري النصرة، أفكاراً متعددة الجنسيات والدول، كما أصحابها، وكان أبناء الدير ضحية لتطبيق هذه الأفكار، التي توصف بالتطرف والتشدد، فضيقت النصرة الخناق على المدنيين بشكلٍ كبير، من خلال تحكمها بمفاصل الحياة بديرالزور، فغاب التعليم عن مدارس ديرالزور، وفرض على أطفالها الجهل، وظهر في تلك الحقبة مايسمى بزواج القاصرات، حيث سجلت أكثر من حالة لزواج مهاجرين بفتيات من ديرالزور لم يبلغوا سن الخامسة عشر، طمعاً من ذويهم بالسلطة التي يملكها هؤلاء المهاجرين في النصرة، كما بدأت تظهر بالمجتمع ظواهر لم تكن سائدة من قبل في مجتمع ديرالزور، كاللباس الذي يفرض على المرأة النقاب، وعلى الرجل اللباس الفضفاض والطويل من عند منتصف الجسم، علاوةً عن تحكم النصرة حتى بالعادات الإجتماعية، وفي هذا السياق يقول أحد أبوخالد وهو شاب من مدينة ديرالزور: “في عام 2013 وعندما كنا نعيش في مدينتنا مدينة ديرالزور، تحت قصف نظام الأسد،  في تلك الفترة كانت عائلات ديرية رفضت الخروج  من ديرالزور تسكن أحياء المدينة المحررة، وكان الحاكم الفعلي في تلك الآونة جبهة النصرة.

يقول أحد أبوخالد وهو شاب من مدينة ديرالزور: “في عام 2013 وعندما كنا نعيش في مدينتنا مدينة ديرالزور، تحت قصف نظام الأسد،  في تلك الفترة كانت عائلات ديرية رفضت الخروج  من ديرالزور تسكن أحياء المدينة المحررة، وكان الحاكم الفعلي في تلك الآونة جبهة النصرة، تحكم بما أعطتها القاعدة من شريعة، فكانت سياطاً مسلطاً على رقاب المدنيين، في إحدى الحوادث التي لا أنساها، والتي ضج سكان المدينة آنذاك بها، هي دخول أحد شرعيي جبهة النصرة في المدينة وكان مهاجراً يدعى (أبو البراء التونسي) إلى عرسٍ نسائيٍّ في حي الحميدية، دون استئذان، اقتحم المنزل هو وعناصر كانوا معه، فانكشفت النساء عليه وعلى من معه، بحجّة أنهم كانوا يستمعون إلى الأغاني، وهذا مخالف للشرع”

خيّم طغيانُ جبهة النصرة على ديرالزور منذ أواخر عام 2012وحتى الشهر السابع تموز من عام 2014، حينما خرجت من ديرالزور وسلمت المهمة لتنظيم أكثر قبحاً ودمويةً بل التنظيم الأكثر تطرفاً على وجه الأرض، تنظيم داعش، حيث سيطر التنظيم على محافظة ديرالزور في تموز 2014، ليبدأ طور الألم الأكبر لأبناء ديرالزور، فمنذ بداية سيطرته على المحافظة، دأب التنظيم على إرساء حكمه بإشاعة الإرهاب بين أرجاء المدنيين، فكان له ما أراد، إذ أنه وبأشهر تواجده الأولى، أراق دماء مئات الشباب الثائر من أبناء ديرالزور، بأحكام منتجة في غياهب خيام التنظيم المظلمة، ليبدأ بعدها بتطبيق أحكامه الجائرة على أبناء الدير، وإرساء قراراته التي أتت على جميع مفاصل الحياة، فهدمت قيم كانت موجودة، وأقامت غيرها، قطعت روابطٌ أسرية ومجتمعية، وتسلطت على أدق تفاصيل الحياة، فأعادتها قرونٌ إلى الوراء، حتى عزلت ديرالزور فس فترة من الفترات عن باقي الكرة الأرضية، حيث منع داعش الإتصالات ومنع التلفاز حيث سنّ قانون يعاقب من يشغّل التلفاز في بيته أشد العذاب، وفرض لباسٌ

أطلق عليه (اللباس الشرعي)، وهدم علاقات الأسرة الواحدة، حيث أصبح الطفل الذي ينتسب إلى التنظيم ليس بحاجة لأن يأخذ بكلام والديه فأمره بأمر التنظيم، وأصبح عنصر تنظيم داعش كعنصر المخابرات الجوية أو الأمن العسكري في نظام الأسد.

استمرت حقبة داعش في ديرالزور منذ عام 2014 وحتى أواخر عام 2017، بعد أنّ انهزم في معارك شنها التحالف الدولي وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) شرق الفرات، وأخرى جرت بينه وبين قوات الأسد والميليشيات الروسية والإيرانية (غرب الفرات) التي لا تقل إرهاباً عن إرهاب التنظيم، إنما بصورة غير مباشرة كما فعل داعش.

ومع انقشاع غيمة التطرف عن سماء ديرالزور، هرع أبناء ديرالزور إلى ترميم الشقوق التي خلفتها التنظيمات الإرهابية في جدران المجتمع الديري الصافي، فكان التعليم على رأس قائمة إنعاش المجتمع، لما فقده أطفال الدير من سنواتٍ بدون تعليم، ولإدراكهم بأنّ الجهل هو البيئة الخصبة لتمدد الإرهاب ونموّه، كما أخذت براعم الحياة في جميع المفاصل تتفتح شيئاً فشيئاً آملين بإقصاء رواسب الأفكار الظلامية التي أورثتها تلك التنظيمات الإرهابية لمجتمع ديرالزور.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق