حرمان الفتيات من التعليم في مجتمع ديرالزور

بملامح حزينة وبائسة تجلس بتول (16عاماً) من قرية الزر شرق دير الزور، في الصباح الباكر على عتبة المنزل وحيدة ومكسورة تتأمل فتيات صفها وهنّ ذاهبات إلى المدرسة، فهي لم تعد قادرة على الذهاب إلى المدرسة بعد اليوم، رغم أنها ليست مريضة وليست كسولة أيضاً، لكن والدها قرر أن تبقى في المنزل لتساعد والدتها في الزراعة والأعمال المنزلية .

تقول بتول لديرالزور 24:
“كنت أتمنى أن أكمل تعليمي وأن أصبح طبيبة أو مهندسة في المستقبل، لكن والدي قال لي أن والدتي بحاجة لمساعدتها في الأعمال المنزلية والزراعة، وأنه يجب علي البقاء معها”.

ليست بتول وحدها من حُرمت من حق التعليم، فهناك فتيات كثيرات تسربنّ من المدرسة بسبب الحرب أو النزوح أو الأوضاع المادية السيئة.
فهديل (15 عاماً) من بلدة الطيانة بريف دير الزور الشرقي، حُرمت من حقها في التعليم أيضاً، نتيجة النزوح المتكرر من مدينة لمدينة تقول هديل لديرالزور 24:
“قُتل والدي في قصف لطيران قوات الأسد، ونتيجة النزوح المتكرر من مدينة إلى أخرى قررت والدتي أن أبقى في المنزل، بسبب خوفها عليّ، وكذلك من أجل رعاية إخوتي الصغار ومساعدتها فهي تعمل في الزراعة وتبيع الحليب والبيض ولا وقت لديها لرعايتهم “، وتكمل “تقول والدتي لي دائماً أنّ عدد حالات اختطاف الفتيات في ازدياد وهي لا تريد أن يصيبني مكروه وأن تفقدني في يوم من الأيام”.

أما أم أمجد، (52 عاماً)، من مدينة البصيرة قالت لديرالزور 24 “عندما كنت صغيرة رفض والدي فكرة ذهابي إلى المدرسة قائلاً ليس لدينا فتيات يخرجن من المنزل للتعلّم، ولم يكتفِ بذلك، بل قام بتزويجي لابن عمي رغم أني قاصر”.
وأضافت “كنت أرغب في تعلّم القراءة كي أتمكن من قراءة القرآن الكريم، فقررت الالتحاق بدورة لمحو الأمية، لكني لم أكملها بسبب الحرب الدائرة في المنطقة وكثرة النزوح”.

تقول آية (25 عاماً) من مدينة الصور شمال ديرالزور “لم أكمل دراستي بسبب الحرب والنزوح، قُتل والدي تحت التعذيب في معتقلات نظام الأسد، واضطررت إلى العمل مع والدتي وأخي الكبير في الزراعة، بسبب الوضع المادي السيء”.

تعيش المرأة في دير الزور أوضاعاً مأساوية، بدايةً من فقدان المنزل والزوج والأبناء، مروراً بالتشرد والنزوح ووصولاً إلى الانتهاكات التي تُمارس بحقها، وعلى الرغم من تراجع وتيرة الحرب في المنطقة، فهي تعاني بشكل مستمر من الإهمال وسوء الأوضاع والبطالة والتعدي على الحقوق الشخصية والعامة، ونتيجة الحرب فقد أصبحت نسبة كبيرة من الفتيات ضحية لظاهرة الحرمان من التعليم والذهاب إلى المدارس، ما جعل المرأة في دير الزور أكثر عُرضة لظاهرة الجهل والأمية والبطالة.
وعلى الرغم من ظهور بعض المنظمات التي قدمت الدعم للمرأة والبرامج التوعوية، فإنّ المنطقة لا تزال مقيّدة ومرهونة بالعادات والتقاليد، حيث حرمت الكثير من الأسر فتياتها من حقها بالتعليم.

فقد ارتفعت نسبة الأمية في أوساط النساء اللاتي تبلغن من العمر 20 عاماً وما فوق، وتسببت الأوضاع المأساوية التي عاشتها المرأة في تزايد ظاهرة الزواج المبكر ،ما انعكس سلباً على وضعها بشكل عام.

كما أنّ هناك أسباباً كثيرة تجعل الأُسر تخرج بناتها من المدرسة، منها الزواج المبكر فالكثير من العوائل ما زالت تخرج البنت عند بلوغها سن معيّن، لتجلس في البيت تنتظر العريس.

رؤى (33 عاماً) من بلدة الباغوز شرق دير الزور، تقول لديرالزور24:
“كنت أتمنى أن أكمل تعليمي وأصبح معلمة، لكنّ والدي حرمني وأخواتي من حقنا في التعليم، بحجة أن التعليم فقط للذكور، وأنّ المكان المناسب للإناث هو المنزل وأن الأنثى خلقت فقط من أجل أن تكون أم و ربة منزل”.
وتكمل “لقد قام والدي بتزويجي باكراً، كنت حينها قاصراً”، وتضيف “أتمنى أن تكمل ابنتي تعليمها وأن لا تعيش الظروف التي عشتها أريدها أن تكون متعلمة وقوية تعتمد على نفسها”.

أم حسن (38 عاماً) من بلدة الشحيل شرق دير الزور، وهي معلمة لغة عربية تقول:
“إنّ مشكلة التعلّم سواء للذكور أو الإناث نتيجة الأوضاع الصعبة هي مشكلة كبيرة، وتسرّب الفتيات من المدارس ارتفعت نسبته في السنوات الأخيرة نتيجة الظروف الأمنية والمادية”، وتضيف ” التعلّم هو حق للجميع ،خاصة وأنّ هناك جمعيات ومدارس وجهود كبيرة تُبذل لإعطاء حق التعلّم للإناث بشكل خاص والذكور بشكل عام “.

وفي جميع الإحصائيات التي تجرى حول التسرب من المدارس تكون نسبة تسرب الإناث أكبر من الذكور، حيث يلعب العامل الاجتماعي عاملاً حاسماً في ذلك، وخصوصاً في الريف، وتزداد نسبة التسرب كلما كبرت الفتاة، أي كلما كان التحصيل الدراسي أكثر أهمية.

ومن أجل تلافي هذه الظاهرة الخطيرة هناك عدة إجراءات يجب أن تتخذ في آن واحد، أولها التوعية الاجتماعية التي تحضٍ على تلقي العلم دون النظر إلى الجنس إن كان ذكراً أم أنثى، والتأكيد على تعليم الفتاة لأنها هي من تربي المجتمع، لأن الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق، وأيضاً تحسين الوضع المعيشي، بالإضافة إلى توفير المدارس والمدرسين في المناطق النائية فتعليم الفتاة ليس مجرد خيار، بل هو ضرورة كبيرة، تتوقف عليه الكثير من الأمور، فالفتاة اليوم هي الأم غداً، وهي التي ستربي الجيل القادم، كما أنّ اللحاق بركب التطور يبدأ من إعداد الأمهات القويات المتعلمات، فالمرأة نصف المجتمع الذي يُنجب ويربي النصف الآخر”.

بقلم: مايا درويش

شارك بالنقاش

error: النسخ ممنوع من ديرالزور24