الإدمان مرضٌ أم نتيجة !

 

                         2     

خاص بشبكة ديرالزور

                          

أحد أمراض العصر الكبرى وإحدى المشاكل التي تعاني منها جميع المجتمعات سواء كانت غنية أم فقيرة متقدمة أم متخلفة إنه الوباء العابر للقارات ووسيلة الربح السريع للعصابات المافيوية الكبرى وهو ناتج عن تغيرات اجتماعية ودينية واقتصادية في المجتمعات التي يصيبها  , حيث يعتبر المجتمع السوري من المجتمعات التي ينتشر فيها الإدمان بشكل قليل ومحصور بفئات معينة في المجتمع.

لم يكن الإدمان يهدد المجتمع السوري ذو الطبيعة المحافظة لكن الانحلال الذي  أصاب المجتمع السوري بسبب فساد الطبقة السياسية الحاكمة وسيطرة التجار وأصحاب النفوذ جعلت من إدمان المواد المخدرة مصدر دخل لها وتجارة رابحة فانتشرت حالات الإدمان بين الشباب.

 

إن مثل هذه الحالات تزدهر في أوقات النزاعات والحروب حيث تسود الفوضى وعدم الرقابة وتفتح الحدود أمام المهربين وتجار البشر حيث لا يتورع هؤلاء من العبث بأرواح الناس ومصائرهم

هم تجار الأزمات لا يتورعون عن الاستثمار في دماء البشر وأمانيهم ومستقبلهم لا يهمهم معاناتهم أو صرخاتهم المهم عندهم ما يحققونه من ربح سريع. ومع انطلاق الثورة السورية لم يكن موضوع الإدمان مطروحاً أو حتى موجوداً على سلم الأولويات في المجتمع ,فالشعب المنتفض من أجل حريته لم يكن لينظر إلى حالات قليلة ومتناثرة وشلال الدم ينزف بغزارة

لكن مع مرور الأيام وتحول الثورة إلى عمليات عسكرية  اختار فيها نظام الأسد الحل الأمني من قصف بالطائرات والمدفعية استهدف المدنيين , فكثرت الإصابات الجسدية والحالات النفسية في صفوفهم.  

 

وبعد مرور خمس سنوات على انطلاق الثورة كان لابد من قراءة لنتائجها خلال تلك السنين والتي كان من ضمنها ارتفاع نسبة المدمنين بين فئات المجتمع السوري.

الدكتور أيهم أحد المتابعين لهذه الحالات ومن الذين رصدوها يتحدث عن ظاهرة الإدمان في المجتمع السوري بعد الثورة حيث يقول:

هناك ازدياد واضح في أعداد المدمنين في المجتمع السوري وعلى مختلف أنواع الإدمان من الإدمان على الحشيش إلى الترامادول والهرويين مروراً بالكافئين وغيرها

 

يتابع الدكتور أيهم قائلاً :

يمكننا تقسيم حالات الإدمان إلى عدة أنواع  , وأفضل تقسيم لها هم حسب السبب الذي أدى إلى الإدمان , وهنا نستطيع تقسيمها إلى أربع فئات حسب السبب الذي أدى إلى هذا الإدمان:

 

السبب الأول:

يعود لحالة الفلتان  الأمني وضعف الرقابة المجتمعية والمنزلية وانتشار السلاح وضعف السيطرة على الحدود , حيث تدخل المواد المخدرة وبسهولة إلى المناطق السكنية . وأكثر المستهدفين هم فئة الشباب وخاصة المراهقين , وجميعنا يعرف طبيعة المراهق وتتوقه إلى التجريب والاستكشاف وعلى قاعدة الممنوع مرغوب وبوجود رفقاء السوء

وبسبب طبيعة أعمار المراهقين وقلة المال بين أيديهم , فإن المواد المخدرة التي يدمنون عليها هي من النوع الرخيص . حيث انتشرت هذه الحالة في جميع المناطق على السواء مناطق سيطرة قوات الأسد أو حتى في المناطق المحررة.

حيث كانت بعض أنواع شراب السعال هي المواد الأكثر استعمالاً لدى المدمنين لاحتوائها على مادة الكودئين التي تسبب اعتياداً نتيجة تأثيرها على الجهاز العصبي , وهي تسبب هذا الاعتياد . إذا أخذت لفترة تتجاوز الأسبوعين إلى شهر وبشكل يومي وبجرعات عالية تتجاوز العشرة ملغ بالجرعة الواحدة.

تأثير الكودئين هو تأثير مسكن ومركن وبذات الوقت يثبط مركز السعال فيخفف منه وهذا سبب استعماله في شرابات السعال

كذلك هناك الإدمان على شم المواد ذات الرائحة القوية كالكحول والبنزين وهي سوائل طيارة تتحول للحالة الغازية بمجرد ملامسة الهواء حيث تسبب حالة من التركين العصبي وتسبب اعتياد لدى من يستنشقها بشكل دوري

وهناك أيضاً الحشيش والذي ينتشر في الأوساط الأكثر غنى في المجتمع خاصة الذين يعملون خارج سورية ويعودون إليها حيث كان وصوله إليهم يسيراً وسهلاً بسبب عدم مراقبة الحدود وانتشار تجارته في المناطق التي لا تخضع لرقابة مشددة

كما يتهم بعض الناشطين نظام الأسد بتشجيع حالات الإدمان بين صفوف الشباب خاصة في مناطق سيطرته وتوفير المواد المخدرة خاصة حبوب الهلوسة كما يسمونها وذلك من أجل سهولة السيطرة عليهم وتجنيدهم في صفوفها

حيث يذكر الثوار أن تصرفات بعض جنود النظام لم تكن طبيعية أثناء الاشتباكات حيث كانت تنافي الطبيعة البشرية المجبولة على الحذر فقد كانوا يتعرضون لإطلاق نار أو انفجار ثم يعودون لذات المكان وكأنهم مغيبين تماماً وعند الإمساك ببعضهم تبين أنهم يعيشون انفصاماً عن الواقع وهلوسة وزيغ في العينين وتلفت واضطراب غير طبيعي

ومن المواد المتوفرة لهؤلاء حبوب الكبتاغون والبالتان والدورمكيوم والفاليوم وغيرها

 

السبب الثاني :

للإدمان هو ما يقدمه الدكتور أيهم على أنه عائد للإحباط الذي يعيشه المجتمع السوري وبكل فئاته , حيث كانت الثورة هي نافذة الأمل التي أطل منها الشباب السوري خاصة إلى المستقبل حين رأوا خلاصهم في نجاحها لكن عدم نجاح الثورة في تحقيق انتصار حقيقي وسريع وطول الفترة الزمنية لها جعل هؤلاء الشباب يصابون بالإحباط واليأس مما جعل فئة منهم تتجه لتناول هذه المواد كنوع من الهروب من هذا الواقع المرير الذي يعيشونه

يتابع أيهم وللأسف الشديد فإن هذه الحالة منتشرة بين النخبة من الشباب والذين رأوا في الثورة تحقيقاً لطموحاتهم وأحلامهم في الابداع كالأطباء والمهندسين والمثقفين والكتاب والذين رأوا تحول الثورة أمام عيونهم إلى ثورة مسلحة يقودها الأقوى ومن يحمل السلاح وكان بعض من هؤلاء الذين حملوا السلاح لايملك أي رؤية حقيقية أو تمييز في كيفية التعامل فكانت لغة القوة هي ما يفهمها كما كان للفراغ الذي تعيشه هذه الفئة نتيجة توقفها عن العمل مما دفعها للإحباط واليأس والخوف على مستقبلها ومستقبل سوريا الذي بدا مبهماً فكان توجههم لتعاطي هذه المواد كنوع من الهروب إلى الأمام من هذا الواقع الذي وصلوا إليه

وأكثر هذه المواد التي يتعاطونها هي الحشيش وهو الأكثر انتشاراً بين صفوف هذه الفئة كون تعاطيها يتم في تجمعات وهو ما يتوافق مع طبيعة حياتهم الاجتماعية

 

السبب الثالث:

 التعامل مع المجتمعات الجديدة نتيجة النزوح الكبير للسوريين وبالتالي دخولهم مجتمعات جديدة لا يعرفونها تختلف عنهم في عاداتها وقيمها وأخلاقها  , ونتيجة هذا الاختلاط  توافرت شروط مناسبة وبيئة خصبة للإدمان خاصة بين صفوف المراهقين والشباب نتيجة البحث عن لقمة العيش والإحساس بالغربة والخوف من المستقبل

فأمراض المجتمعات الجديدة تنتقل مثل العدوى التي تنتقل بها الأمراض العضوية  . أما المجتمعات المشكلة حديثاً فهي مجتمعات هشة ضعيفة جاهزة لاستقبال كل جديد من محيطها مثل مخيمات النزوح.

أما حالات الإدمان المنتشرة فهي ذاتها المنتشرة في المجتمعات الأخرى كما أن هناك أشكال أخرى تنتشر فيه بسبب الفقر كالإدمان على شم أنواع من السوائل كالبنزين والدهانات بأنواعها وهي مواد رخيصة تتناسب مع مثل هكذا تجمعات كما أنها متوفرة وغير ممنوعة

 

السبب الرابع :

وهو أهم المشاكل وأصعبها وغالباً ضحاياها لم يختاروا هذا الطريق كما في الحالات السابقة بل فرض عليهم الإدمان فرضاً هذه الفئة لا تقتصر على الشباب أو الرجال بل أصابت معظم فئات المجتمع.

تعود هذه الحالات للمصابين نتيجة القصف العشوائي لقوات النظام ونتيجة للأعمال القتالية على الجبهات حيث تشير الإحصائيات  إلى وجود أكثر من مليون ونصف المليون إصابة تتراوح بين المتوسطة والشديدة كإصابات الأطراف حيث فقد أكثر من 200ألف سوري أطرافهم وفق إحصائيات غير دقيقة.

 

أما كيفية تعرض هذه الشريحة للإدمان فهي كما يخبرنا الدكتور أيهم قائلاً :

جميع مصابي الحروب وخاصة المدنيين منهم ينقلون إلى المشافي الميدانية وهي مشافي صغيرة أقيمت على عجل وبسبب طبيعة الإصابات الحربية فهي مؤلمة جداً ويحتاج علاجها لفترة طويلة حتى يشفى المصاب  , وبمعرفة أن علاج أغلب هذه الحالات هي المسكنات خاصة المركزية منها وهي التي يسبب تناولها لفترات طويلة على إدمان صاحبها.

 

يتابع الدكتور أيهم إن الإصابات العظمية وبترها والإصابات العصبية الناتجة عن الشظايا والقذائف والعيارات النارية هي إصابات يحتاج المصاب لفترة طويلة من العلاج بالمسكنات تتراوح بين ثلاثة أشهر وسنة خاصة في حالة بتر الأطراف وهي عمليات مؤلمة.

أغلب هذه المسكنات التي تعطى لهم هي ” الترامادول – البتدين- المورفين- الفنتانيل – البنتازوسين – الدورمكيوم ” .

وهي جميعها تسبب إدمان لدى استخدامها لفترة من الزمن. حيث وبسبب ارتياح المصاب بتسكين ألمه الشديد يضطر لأخذ جرعات غير محسوبة تتسبب بإدمانه . حيث هناك تبدأ رحلة الإدمان رغم شفاء المصاب من إصابته الجسدية إلا أنه يكون قد اعتاد على هذه المسكنات , ويبدأ جسمه يحتاجها أكثر فأكثر فيضطر للبحث عنها وشراءها مهما كان ثمنها تلبية لحاجة جسمه لها وربما يضطر لتقديم تنازلات من أجل الحصول عليها.

هذه الفئة هي أكثر من يعاني في مجتمعنا  ولا تمييز بين غني أو فقير , كبير أو صغير رجل , أو إمرأة كما لا تميّز القذائف بينهم لم يميز الإدمان بينهم , وللأسف لا يوجد حتى الآن أي سبيل أو طريقة لمعالجة هذا المرض المتفشي في المجتمع ويعود ذلك لعدة أسباب يوجزها الدكتور أيهم في :

 

  • عدم وجود جهة مخولة بهذا الموضوع بسبب طبيعة الحرب التي تعيشها سوريا وعدم وجود سلطة قائمة على الأرض والانقسام بين المناطق المحررة والتي لاتزال تحت سيطرة النظام والأخرى التي تخضع لسيطرة فصائل متعددة
  • عدم وجود مؤسسة أو هيئة دولية تتبنى الموضوع على خطورته كون الهم الأول لهذه المؤسسات الآن هو إيصال الدعم وتقديم المعالجة لمصابي الحرب وإن على نطاق ضيق حيث لم ترتق تلك المساعدات لمستوى مأساة الشعب السوري
  • خوف هؤلاء المرضى إن صح تسميتهم من انكشاف أمرهم خاصة أن أكثرهم يقطنون دول لا يعرفون قوانينها ويخافون من معاملتهم كمدمنين لا كمرضى فرضت عليهم ظروف الحرب ذلك.

 

فالطريقة الوحيدة لعلاج هذه الظاهرة في الوقت الراهن هي تبني الأمم المتحدة لبرنامج توعوي وعلاجي لهذه الظاهرة وإنشاء مراكز لهم في مناطق تواجد اللاجئين السوريين في العالم

هو مرض أخر ينخر جسد المجتمع ومعاناة أخرى تضاف لما يعانيه من قتل وتهجير وخوف ربما لا ندرك خطورته الآن لكن ما يحمله المستقبل خطير جداً خاصة أن الطبقة المستهدفة هي جيل الشباب المعول عليهم في بناء سوريا المستقبل ومنهم الأكاديميون والمثقفون الذين جرفتهم الظروف لمثل هذا الوباء  .لذلك فدق ناقوس الخطر يجب أن يبدأ من الآن حتى نتمكن من الوصول لحلول جذرية قبل فوات الأوان .

الوسوم
اظهر المزيد

Leave a Reply

اترك رد

  Subscribe  
نبّهني عن
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق