مجزرة حيّي الجورة والقصور.. حين صارت الدماء حبر الذاكرة

قبل أربعة عشر عاماً، وفي تمام الساعة السابعة صباحاً، استيقظ حي الجورة في دير الزور على واحدة من أكثر صفحات الرعب دموية في ذاكرة المدينة. لم يكن ذلك الصباح عادياً، فقد تحولت شوارع الحي، خلال ساعات قليلة، إلى ساحة قصف وقتل واعتقالات، فيما عاش المدنيون يوماً وصفه من عايشه بأنه أشبه بـ”يوم القيامة”.

بدأ الاقتحام من عدة محاور، بينها الحرش، ودوار السلامة باتجاه مفرق الضاحية والشارع العام، ودوار أمن الدولة، ودوار المياه، ودوار الكرة الأرضية. ورافقت القوات المهاجمة طائرات مروحية في سماء المدينة، فيما شاركت وحدات عسكرية وأمنية متعددة، بينها ألوية من الحرس الجمهوري واللواء 137، إلى جانب عناصر من مختلف الأجهزة الأمنية ومقاتلين من الميليشيات.

كان القصف كثيفاً منذ الساعات الأولى. الدبابات استهدفت شارع الوادي، بينما انتشر القناصة على محاور عدة، ولا سيما شارع الوادي وشارع السجن، لفرض سيطرة نارية على المنطقة واستهداف كل من يتحرك في الشوارع.

وبحسب شهادات الأهالي التي جرى تداولها وتوثيقها آنذاك، دخلت في البداية مجموعات عسكرية تحمل قوائم بأسماء المطلوبين، قبل أن تتبعها مجموعات أخرى ارتبط اسمها بعمليات قتل ميداني. وفي خضم الفوضى والرعب، وقعت عمليات قتل جماعي في أكثر من موقع داخل الحي.
قرب محلات الدلف، جُمِع نحو 21 شاباً ورجلاً، وقُتلوا داخل أحد المنازل، فيما قُتل قرب مسجد قباء 11 شخصاً، بينهم إمام المسجد، وفق الروايات التي وثقت أحداث ذلك اليوم.

ولم يكن البقاء داخل المنازل ضماناً للنجاة. فقد عجز كثير من المدنيين عن العودة إلى بيوتهم، وأُغلقت المحال التجارية، فيما تعرض أشخاص عُثر عليهم في الحي للقتل. ومن بين الضحايا عمال أفران وتنانير، كما تورد الشهادات أسماء عدد من العمال الذين قُتلوا بعد تعرضهم للحرق.
حتى الجرحى لم يكونوا بمنأى عن القتل. وتروي الشهادات أن سليمان الكريف، أحد مقاتلي الجيش الحر، أُصيب بقذيفة وتمكن من الوصول إلى مشفى ميداني، قبل أن تلحق به القوات المهاجمة وتقتله داخله.

أما المشفى الميداني، الذي كان يفترض أن يكون مكاناً لعلاج المصابين، فقد تحول هو الآخر إلى موقع للقتل. وتشير الروايات الموثقة من أبناء الحي إلى مقتل عدد من الجرحى داخل المشفى، إضافة إلى الطبيب حيدر الفندي وشقيقه الطفل حاتم.

وكان بين الضحايا مدنيون لا علاقة لهم بالقتال، من بينهم الطفل حسام، الذي لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره وكان معروفاً بمشاركته في المظاهرات، وعدي السبتي الذي، وفق الرواية المتداولة، عاد إلى منزله بعد حصوله على الأمان فقُتل رمياً بالرصاص.
كما تورد الشهادات أسماء ناصر الرديسات، المعروف ببيع الملح، وحنوش دغيم، الموظف في مؤسسة الكهرباء، الذي تقول الروايات إنه تعرض للسرقة قبل مقتله قرب منزله، إضافة إلى الشاب عامر، الذي عُثر عليه وحيداً في منزله.

ومع امتداد النهار، لم يتوقف القصف وإطلاق النار. حتى العاشرة مساءً، بقي صوت الرصاص والقذائف هو الصوت الطاغي في الحي. وفي الوقت ذاته، اعتُقل مئات الأشخاص، بينهم شباب وكبار في السن، وفق شهادات الأهالي، فيما انقطعت الاتصالات والكهرباء، ليجد السكان أنفسهم في عزلة كاملة عن العالم، عاجزين عن معرفة مصير أقاربهم وأحبائهم.
ثم جاء اليوم التالي، ومع انسحاب القوات المهاجمة من أجزاء من الحي، بدأت الصورة الأكثر قسوة بالظهور.

في الحارات، كانت آثار الدماء والدمار شاهدة على ما جرى. عائلات تبحث عن أبنائها، وأخرى تستقبل خبر مقتل أحد أفرادها، فيما بقيت جثث أخرى مجهولة الهوية بسبب ما تعرضت له من حرق وتشويه.

وسط هذه الظروف، بدأت محاولات توثيق أسماء الضحايا، رغم المخاطر الكبيرة التي أحاطت بعملية التوثيق. وبحسب السجل الذي أُعد في ذلك الوقت، ارتفع عدد القتلى في اليوم الأول إلى نحو 250 شخصاً، قبل أن تصل الحصيلة في اليوم الثاني، بعد توثيق ضحايا الجورة والقصور، إلى نحو 460 قتيلاً، بينهم عدد كبير من مجهولي الهوية.

ولم يكن دفن الضحايا أمراً سهلاً في ظل الحصار والخوف. ومع تعذر الوصول إلى المقابر، تحولت الحدائق وباحات بعض المساجد إلى أماكن لدفن القتلى، لتصبح هذه المواقع جزءاً من ذاكرة الحي وشاهدة على حجم المأساة.

لم تكن تلك الأحداث مجرد أرقام في سجل الضحايا. خلف كل اسم كان هناك بيت، وأم، وأب، وأخوة، وأصدقاء، وحكاية انقطعت فجأة. ولهذا بقيت ذاكرة الجورة حاضرة في وجدان أهل دير الزور، رغم مرور السنوات.

بعد أربعة عشر عاماً، لا تزال أسماء الضحايا وشهادات الناجين وأماكن الجريمة تحمل سؤالاً واحداً: كيف يمكن لمدينة أن تنسى يوماً فقدت فيه هذا العدد من أبنائها؟
إن توثيق ما جرى ليس استدعاءً للماضي من أجل الانتقام، بل حفاظ على الذاكرة وحق الضحايا وعائلاتهم في أن تبقى قصصهم حاضرة. فالأحداث التي لم تُوثق قد تضيع تفاصيلها مع مرور الزمن، أما الأسماء والشهادات فتمنح الذاكرة فرصة للبقاء.

Show More

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

9 + eleven =

Back to top button