أطفال ديرالزور ضحايا الإرهاب لسنوات مضت..!

الصورة تعبيرية

مارست التنظيمات الإرهابية، منذ وطأتها أرض ديرالزور، أبشع الممارسات بحق أبناء المحافظة، فلم يسلم الطفل ولا النساء ولا الشيوخ حتى، من سطوة التنظيمات وغطرستها وقيودها الجائرة التي فرضت من خلال ماسنته تلك التنظيمات من قوانين مستمدة من الأفكار المتطرفة المغطاة بعباءة الدين.

ولعل الفئة الأكثر تضرراً من فئات المجتمع، من إرهاصات الإرهاب وتبعاته، هي فئة الأطفال، حيث تمتاز هذه الفئة بسرعة تأثرها بعوامل البيئة المحيطة، تبعاً لتكوينها الفيزولوجي، مما يسهّل على المستغلين لها السيطرة عليها واستخدامها في أجنداتهم الخاصة.

وفي مرحلة سيطرة تنظيم داعش على ديرالزور، حُرم أطفال ديرالزور من أدنى حقوق الطفل التي سنت في الديانات السماوية والقوانين الوضعية، والتي اتفقت على مراعاة الطفل ومنحه حقوقاً لا يمكن المساس بها، كحق التعلّم، والصحة والعيش بسلام، وحق اللعب وغيرها من الحقوق.

خرق التنظيم الإرهابي، تنظيم داعش، كل العهود والمواثيق التي تحفظ حقوقهم، وجعل منهم أدوات في حربه ضد المسلمين قبل غيرهم، وقد وقعت مئات الحوادث في ديرالزور، تعكس إرهاب داعش على الأطفال، نروي بعضها هنا على سبيل المثال لا الحصر.

يقول أبو أحمد، وهو أحد أبناء مدينة العشارة شرق ديرالزور:

“كانت تلك الحادثة عام 2015، لن تمحى من ذاكرتي باليسير، وأظنني لن أنساها ماحييت، حيث في يوم من الأيام، كنت ذاهباً إلى السوق، لكي أحضر بعض الأغراض، وقلت في نفسي لأصطحب ابني أحمد وعمره ثلاث سنوات، عله يحضى بقليل من الفسحة، عوضاً عن السجن الأكبر الذي يعيش به، في ظل حكم داعش لنا”

ويتابع:

” بالفعل، وضعت أحمد أمامي على دراجتي النارية، وانطلقنا إلى السوق القريب من منزلنا، وصلنا السوق واشتريت أغراضي، وأردنا المغادرة أنا وأحمد الذي كان يشعر بسعادة غامرة، حتى تغيّر كل شيء بلحظة، مالذي جرى؟ عناصر “الحسبة” في تنظيم داعش، يطوقون السوق، ويمنعون الخروج منه، لم يمضِ وقت طويل لنعرف ما يحصل، إذ بدأ أحدهم بالتكلم عبر مكبر الصوت، مخبراً جميع من في السوق أنّ هناك عملية “قصاص” سوف ينفذها التنظيم، وعلى جميع من في السوق أن يشاهدوا التنفيذ.”

ويضيف أبو أحمد:

“من سوء حظنا، أنا وابني، أنّ ساحة التنفيذ التي اختارها التنظيم وسط السوق، كانت أمامنا مباشرة، وبسرعة فائقة تمت التحضيرات، وأصبح كل شيء جاهز لتنفيذ الحكم، وهنا كانت الكارثة، ابني الصغير كان عليه مشاهدة هذا الرعب، ماهي إلا لحظات حتى أنزلوا شاباً عشرينياً مقيداً من إحدى سياراتهم وأجلسوه على الأرض، وبدأ أحدهم بتلاوة بيان القصاص، إنه قطع الرأس، وهذا ما كنت أخشاه، سريعاً بدأ السياف بتنفيذ الأمر، فأخذ سكيناً وبدأ بنحر الشاب، هنا لم أعد أعرف ماذا علي أن أفعل، أحمد يتابع بتمعن، وأنا لا أستطيع إغماض عينيه، فإذا فعلت ذلك ربما أكون محلّ هذا الشاب، والذي زاد الطين بلّ، هو أنّ السكين لم تمشي على رقبة الشاب، فحاول مرة أخرى السياف بعد تبديلها، لكنها أيضاً لم تنحر، ليقوم أميرهم بعد أن جنّ جنونه فيأخذ بارودة أحد العناصر ويفرغ الرصاصات برأس الشاب، ويثور الدم ليشكل بركة وسطها جثة، كل ذلك وأحمد يشاهد، لم ينطق بكلمة واحدة، سوى أنّ وجهه شاحب على اصفرار، وكذلك قضى أحمد طوال النهار وأنا ألاحظه”

منذ تلك الحادثة، يقول أبو أحمد، وابني يعاني من مشكلات نفسية، كالتبول اللاإرادي، والاستيقاظ هلعاً في الليل أثناء النوم.

ربما التجربة القاسية التي مرّ بها الطفل أحمد، ليست الوحيدة، مع ممارسات داعش الإرهابية، بحق الأطفال، إذ وقعت عشرات إن لم نقل مئات الحوادث التي تعد إجراماً بحق الأطفال في ديرالزور وغيرها من المناطق التي أسرها تنظيم داعش الإرهابي، فبالدرجة الأولى مُنع الأطفال من التعليم، ليكونوا لقمة سائغة للتنظيم بغية توظيفهم في مشروع داعش الظلامي، كما غاب عن الأطفال اللعب، حيث عاملهم التنظيم على أنهم بالغين، ممنوع عنهم اللعب، ويجب عليهم تعلم استخدام السلاح وفنون القتال إذا ما أرادوا اللعب، ولا يجب إغفال قضية مهمة، وهي زرع أفكار التمرد على الوالدين في عقول الأطفال، وخصوصاً المراهقين، بما يخص الإلتحاق بصفوف التنظيم، مما أوجد حالة غير صحية دخيلة على المجتمع، خلّفت شرخاً في بنية الأسرة، ومئات الأطفال المفقودين مع التنظيم.

بعد عامين من زوال الإرهاب المتمثل بتنظيم داعش، عن ديرالزور، تعود الحياة الطبيعية شيئاً فشيئاً إلى المجتمع، يحاول الأطفال اللحاق بركب طفولتهم، من خلال ماتجود عليهم الظروف من مكارم، يحاول أهالي ديرالزور تعويض الأطفال مافاتهم خلال حقبة داعش التي عاشوا خلالها تخت خط الحياة، علّهم يستعيدوا ولو جزءاً بسيطاً من حقوقهم التي سلبت منهم بفعل إرهاب تنظيم داعش.

ناقش الموضوع

error: النسخ ممنوع من ديرالزور24