السبت 18 / 11 / 2017 | 12:13 بتوقيت دير الزور

أبرز الأنباء

آخر الأخبار

حوار مع دنيا

هل ما زال الحلم ممكنًا؟
سألتها وقد كانت تنظر للسماء بحزن بقدر ما امتلأت بالألعاب النارية وضجّت الدنيا بأصواتها التي تذكرنا بصوت القصف المريع على بلادنا الغالية
بدأت الحديث وهي تقول: دخل العام الجديد سيدتي هل أبارك لك وللعالم لأحقق ماتبقى من الحلم بعودة الامان للوطن..نعم سيدتي مازال لدي الامل بتحقيق الحلم الجميل كألوان هذه الالعاب النارية
على الرغم من كلّ ما حدث.
وحدها الأحلام عصية على أسلحة العالم ،
الأحلام التي تنمو بماء الحريّة
الأحلام التي ترفعنا كلما انهارت قناعاتنا،
هي التي تربت على أكتافنا كي لا يأخذنا الوجع بعيدا ، الان علينا أن نتمسك بالحلم،
-سألتها عن الواقع وبعيدا عن الحلم عن العام الجديد
ردت قائلة
عامٌ بعد عام، يزداد الواقع قسوة، ينهار كل ما حولنا بحيث لا تكفي ما نملك لننتظر الغد،
-قلت لها وما قولك بالعالم الذي يرتكب كل الجرائم التي عرفها التاريخ بحق البلد؟
قالت: ليس آخر الأمر القتل، وليس أوّلها التجاهل العالم الذي يجرّب تغيير كلّ شيء بنا وعلينا،
انه يصنع الأعداء ويرسلهم إلينا
-وما رأيك في مصير عائلتك التي غابت عنك ولم تستطيعين فعل شيء لمن قتلهم
ضحكت بمرارة وردت علي بسرعة
-لا أحد يسأل السوري عن رأيه في مصيره..
سألتها عن حجم الفقد في حياتها؟
قالت: الحرب تطحن كلّ ذكرياتنا وتفاصيل أيامنا في الغربة فقدت الكثير سيدتي بدءاً من تراب حديقتي وانتهاءً بأهلي وعائلتي التي غيبها الموت من جهة والغربة من جهة أخرى
نجوت أنا وزوجي وطفلي وأخي الجريح
واستطعنا العبور الى تركيا وبدأت رحلة الاغتراب المريرة والتي استطعت تجاوزها بضحكة صغيرة من شفتي طفلي التي أرى فيه كل أحلامي..
كنت أوفق بين بيتي وبين زيارة أخي الجريح في المشفى الذي كانت حالته سيئة بسبب التهاب الجرح وتأخرنا على مداواته وذلك لأننا تأخرنا بالدخول الى المشفى لعدم استقبال المرضى السوريين الا بالبطاقة الشخصية التي تصدرها ادارة الهجرة وفي حال الحصول عليها سارع الطبيب الى بدء العلاج ولكن يبدو أنه فات الاوان ولم يبق لدينا سوى الدعاء له والتخفيف عنه
سألتها وماذا عنك وعن حياتك وزوجك وطفلك؟
قالت: حياتي؟ حين أذهب للبيت أعمل بسرعة لكي لا اقصر مع زوجي وطفلي وبيتي ويبقى فكري مشغول مع وضع اخي الذي لا امل منه على ما يبدو
مرت الايام والاسابيع وازداد وضعي سوءا وتغير شكلي ونحل جسمي وليس من معين
بدا الامر يسوء بيني وبين زوجي بسبب اهمالي لنفسي ولم يعد لدي وقت للاهتمام
-وماذا عن زوجك ؟هل كان يزور أخوك في المشفى ؟
-قالت في البداية نعم ولكنه ملَّ في النهاية وابتعد واصبحت له حياته الخاصة بالإضافة الى عمله في احدى المصانع كان يرتب نفسه ويتعطر كل صباح ويشرب قهوته برواق غريب ويتأخر ليلا ويسهر في الاماكن العامة
-سألتها: وهل حاولت تغيير تعاملك معه قالت لم يعد يهمني شيء وانا أرى حالة أخي تزداد سوءا
-حتى جاءني في احدى الليالي متأخرا وكانت لديه علامات السكر والعربدة بشكل فظيع وطلب مني أن اكمل السهر معه وان اتجمل وأرقص على اغنيته المفضلة
-حدقت في وجهه طويلا واقتربت منه بحذر وانا اشم رائحة المشروب المقيتة وسألته هل تشكو شيئا ؟ هل أحضر لك العشاء وهنا صرخ بوجهي قائلا ألا تفهمين ؟ ما بك؟ تحركي فهل تحسبين نفسك أمرأه من بين النساء
صمت كثيرا واستعذت بالله من الشيطان الرجيم ولم اكمل حديثي معه حتى وجدته في “سابع نومة”
لم أنم تلك الليلة كان فكري مشتت بين أخي الملقى على سريره في المشفى وحيدا وبين بيتي وزوجي الذي لم يحتمل الازمة التي أمر بها والتي لا يمكن تحملها وحين انبلج الفجر قمت وصليت لله ودعوت وبكيت وتمنيت أن يأتي اليوم التالي ويتحسن الحال
أتممت بعدها بعض أعمال البيت وأشرقت الشمس وأنا أعمل واستيقظ ليراني منهمكة في ترتيب المطبخ
نظر الي واكمل طريقه ثم لبس مسرعا وخرج
أخذت طفلي وخرجت قاصدة المشفى وحين دخلت كان وجه أخي شاحبا جدا والطبيب عنده قال لي اريدك بموضوع مهم جدا الحقي بي الى غرفتي
-سألتها هل تحسنت حالته أم مازال في مرحلة الخطر؟
قالت أي تحسن يا استاذة .؟ وهو فقد نصف وزنه واصفرت عيناه ولم يتوقف الامر على هذا فقد طلب مني الطبيب ان أنقله لمشفى خاص لأجراء عملية سريعة تتوقف عليها حياته؟ وهنا أسقط في يدي
ولم أكن املك سوى أسواره صغيرة من الذهب وهي كل ما تبقى لدي من مجوهراتي التي تم بيعها وانا بحاجة ماسة لها لاستئجار البيت والعيش بكرامة قبل أن يعمل زوجي
المهم أني خرجت من المشفى مسرعة الى احد محلات الصاغة في البلد وبعت أسورتي لمعالجة أخي وهدت أدراجي وبالفعل تم نقل اخي الى مشفى خاص وتم دفع كامل المبلغ للمشفى
بعدها تم اجراء العملية المطلوبة الباهضة الثمن
ولكن حالة أخي كانت تسوء يوما بعد يوم
وفي يوم أسود كيوم فقدت فيه أهلي واخوتي حضرت كالعادة الى المشفى ليبلغوني الخبر المؤلم
توفى أخي ولم أجد حولي احد
الله سبحانه وتعالى يشهد علي اني بكيت ما بكيته طوال عمري كله
أتممت مراسم خروج جسده النحيل من المشفى وتوجهت وحيدة الى دفنه في احدى الاماكن المخصصة في المدينة
نشفت دموعي لشدة البكاء ودعته تحت التراب وتوجهت عائدة الى المنزل
وجدته هناك
وكانت عيناه تقدح شرراً…أين كنت؟؟
انفجرت بالبكاء ورويت له ما حدث لي
رد قائلا ببرود فظيع : وأين أسوارك الذهبي
هل أضعته؟
قلت لا لقد بعتها لأجل اخي
انفجر غيظا وبدأ بالصراخ والضرب والشتائم ورمى علي يمين الطلاق
و أخذ طفلي وطردني خارج المنزل
-سألتها هل من أحد تلجأين اليه؟
-قالت أبدا لا أعرف أحدا بهذه المدينة الغريبة الجامدة
ضاقت بي الدنيا وتوجهت الى محطة نقل المسافرين وتوجهت الى هذه المدينة التي يقطن فيها أحد أقاربي اطلب العون على زوجي كي أسترد منه طفلي
ومازلت احاول وأحلم بيوم أستريح فيه من كل هذا الكابوس
سألتها: هل ما زال الحلم ممكناً؟
حين نتخلص من الذي يريد قتل حقّنا في الحلم؟
حين نتخلص من الذي يفتح أقنية من أوردتنا لتصب في مزاجه…
لكنّ الحلم قوّة أكبر منهم
الحلم الذي يصنعه الإيمان بحقنا في أن نعيش أحراراً كما يليق بإنسانيتنا
سألتها ما الذي يعنيه لك نهاية العام؟
قالت لا شيء انه يوم يمر مثل باقي الايام
عساني اجد في هذه المدينة من يفتح لي نافذة للحلم، نافذة للتحدي، نافذة للتمسك بالحياة حين الموت يخيّم على كلّ شيء. عندما تعلّمنا أن الحلم حقّ مثل بقية الحقوق
تأخذنا إلى الخطوة الأولى حين تذكرنا أنّ الإنسان هو ذاكرته،
تأخذنا إلى حيث الصرخة الأولى «حرية»
بلدي هو الحلم…
الأميرة الفراتية